مراجعة: سبع عشرة دقيقة على سكة الانشطار: سردٌ يعبر الحدود ويكشف تيه الهوية
ينتمي بشير أمين إلى جيل من الكتّاب الكُرد السوريين الذين تشكّلت تجربتهم في ظل تحوّلات سياسية عميقة وتغيّرات اجتماعية متسارعة؛ إذ يكتب من تماس يومي مع المكان، ويستثمر خبرته في الصحافة والعمل الثقافي لصياغة نصوص تلتقط نبض الحياة في المدن الصغيرة والبلدات المنسية.
تتسم تجربته السردية بحساسية خاصة تجاه التفاصيل، وبقدرة على تحويل الوقائع اليومية إلى مشاهد ذات أبعاد إنسانية واسعة. وفي كتاباته حضور واضح للتأمل الهادئ، مع ميل إلى رصد التحولات الداخلية للشخصيات أكثر من الاكتفاء بوصف الأحداث الخارجية.
تأتي مجموعته القصصية الجديدة “سبع عشرة دقيقة في الأوتوماتريس”، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت (2026)، بوصفها عملاً سردياً يشتبك مع “ذاكرة الجزيرة العليا في شمال شرق سوريا”، تلك البقعة التي رسمت سكة الحديد فيها خطاً يفصل بيوتاً عن بيوت، وأرحاماً عن امتداداتها، حين جاورت الحدود السورية الحالية مع تركيا. وهو ما يعيد كتابة المكان من داخله، عبر أصوات كردية وأرمنية وإيزيدية تتجاور داخل نسيج حكائي واحد، وتكشف عن تواريخ شفوية انتقلت همساً بين الجدات، ثم تحولت إلى عبء جميل تحمله الأذرع نحو الجبال.
سكة الحديد واستعارة الانقسام
تتكاثر الأمكنة في هذا الفضاء داخل الاسم الواحد: “سرخت” في الشمال و”بنخت” في الجنوب، وبينهما تتحول سكة القطار إلى استعارة كبرى للانشطار، حيث الحدود الحالية بين سوريا وتركيا، وفق اتفاقية سايكس-بيكو سنة 1916، التي اعتمدت خط سكة حديد بغداد كفاصل جغرافي.
يتحرك السرد هنا داخل زمن متكسّر، حيث يتجاور الحاضر مع أزمنة الإبادة والتهجير، ويغدو الانتماء سؤالاً مفتوحاً في وطن يتداعى، بينما تتعدد الأوطان في المخيلة والذاكرة. يكتب المؤلف عن بشر يعيشون بين خرائط متراكبة، يملكون أكثر من اسم للبيت، وأكثر من حكاية للأصل، ومع ذلك يبدون كأنهم يسيرون فوق أرض تهتز تحت أقدامهم.
ورغم أن سبع عشرة دقيقة زمن قصير في حساب الساعة، فإن المؤلف يحولها إلى مساحة تتكدس فيها مصائر، وكأن الدقائق تتحول إلى وعاء لذاكرة ممتدة عبر قرن كامل. فالأوتوماتريس، بوصفها وسيلة نقل شعبية تعبر الحدود الداخلية للمكان، تصبح فضاءً انتقالياً بين قرية وأخرى، وبين ضفتين، وبين هوية وأخرى. داخل هذا الفضاء الضيق تتكشف حيوات كاملة، ويتحول الركوب إلى تجربة وجودية.
الزمن في المجموعة ليس خطياً؛ إذ تتشظى الدقائق وتستدعي طفولة بعيدة، ومجزرة منسية، ووجهاً عبر نافذة القطار. سبع عشرة دقيقة تكفي كي ينفتح جرح قديم، أو يعود اسم محرّم إلى التداول، أو يكتشف السارد أن المكان الذي يظنه وطناً يتحول إلى محطة مؤقتة.

تحتل سكة الحديد موقعاً مركزياً في قصص المجموعة؛ فهي خط معدني مرئي، غير أن حضورها يتجاوز كونها بنية تحتية، لتصبح علامة على انقسام داخلي. عائلات فُصلت عن امتداداتها، وقرى وجدت نفسها على طرفين متجاورين من خط واحد.
يكشف السرد أن الحدود السياسية تبقى أضعف من سطوة الحكاية المتوارثة؛ فشخصيات القصص تنتمي إلى مرويات سابقة على الخط، وتحمل لغتها وطقوسها وذاكرتها عبره.
في قصة بعنوان “ميكاسا – وفرنكين” يرد مقطع يكشف حس الطفولة الممزوج بوعي مبكر بالحدود: “كيف اشتركنا بهذه الكلمات؟ (كما اشتركنا بالحدود) تجيب أمي”.
يكثف هذا الحوار القصير فكرة الحدود بوصفها واقعاً مفروضاً على اللغة والحياة اليومية معاً؛ فاشتراك الناس في الكلمات يشبه اشتراكهم في الحدود: علاقة قسرية لا تُمحى بسهولة، لكنها لا تلغي المشترك الإنساني بينهم.
اقتصاد العبارة وكثافة الصورة
تفتح المجموعة سؤال الانتماء عبر نقيضه: ماذا يحدث حين يتوزع الإنسان بين خرائط متعددة، ويشعر بأن أياً منها لا تمنحه طمأنينة كاملة؟ تعيش الشخصيات في وطن مادي، غير أن إحساسها بالبيت يتبع مساراً آخر، يرتبط بلهجة الأم، وبرائحة الخبز، وبقبر الجد في قرية عبر الحدود.
يقول في قصة بعنوان “في حارتنا جيسوس”: “بالأمس سقطتُ داخل ذاكرةٍ قديمة. وقفتُ أمام لوحة لا تزال موجودة في ذاكرتي، كانت معلقة على جدار بيتنا في صغري. لوحة دافنشي، العشاء الأخير، التي يتوسطها المسيح، جيسوس. نظرتُ من حولي: (ما الذي أفعله هنا؟) قلتُ”.
تكثف العبارة السابقة حيرة المنفي الذي يعجز عن حمل اسمه في المنفى، كما يعجز عن التخلص من صورة أرضه الأولى. الاسم هنا عبء، والمنفى مساحة عائمة، والأرض الأولى صورة مشعة تطارده. يرسم الكاتب المنفى كحيز رمادي لا يمنحه بديلاً كاملاً، ويجعل العودة حلماً مؤجلاً. يقف السارد معلقاً بين الاثنين، كراكب في أوتوماتريس تعبر طرقاً وعرة.
تميل لغة المجموعة إلى التكثيف؛ فالجمل قصيرة نسبياً، لكنها محمّلة بإيحاءات. يستخدم الكاتب صوراً حسية تقود إلى معانٍ وجودية؛ فالنهر والسكة والجبال عناصر مادية تتحول إلى إشارات على انقسام داخلي أو حنين مكبوت.
يمنح الاقتصاد في العبارة النص قدرة على التوسع في ذهن القارئ؛ فكل صورة تفتح باباً لتأويلات متعددة. وحين يصف جسد الأم المنزوع من بين أذرع أبنائها، يضع القارئ أمام صورة فقدان جماعي تتجاوز الأسرة إلى الجماعة. وحين يتحدث عن اسم يعجز المنفي عن حمله، يلمّح إلى أزمة هوية تتجاوز الفرد إلى شعب كامل.
الجبال ملاذا ورمزا للثبات
تحضر الجبال في خلفية العديد من القصص كفضاء آسر للجوء، حيث يحمل الأبناء تواريخهم على أذرعهم ويرحلون نحوها. يرمز الجبل هنا إلى الثبات في وجه التغيرات السياسية المتلاحقة.
في مقابل السكة التي تمثل الانقسام والحركة القسرية، يأتي الجبل كعلامة رسوخ، غير أن هذا الرسوخ محفوف بالمخاطر؛ إذ تتحول الجبال أحياناً إلى مسار للهروب، وأحياناً أخرى إلى شاهد صامت على مآسٍ.
يوازن المؤلف بين صورة الجبل والنهر؛ فالنهر متحرك ومتقلب، بينما الجبل ثابت وصامت. تتأرجح الشخصيات بين الرغبة في الثبات والرغبة في العبور، ما يمنح النصوص ديناميكية خاصة، ويجعل كل قرار بالرحيل أو البقاء محملاً بثقل رمزي.
تعتمد المجموعة على الذاكرة الشعبية الشفوية؛ تلك الحكايات التي تنتقل همساً بين نساء العائلة، ثم تتجسد في نص مكتوب، ما يضفي على القصص طابعاً حميماً. يبدو السارد أحياناً كأنه يجلس قرب موقد، يصغي إلى صوت جدة، ثم يعيد صياغة ما سمعه بلغة معاصرة.
هذا الاشتغال على الذاكرة يمنح النص عمقاً تاريخياً دون الوقوع في خطاب توثيقي مباشر؛ إذ تظل الأحداث الكبرى في الخلفية، بينما تتقدم التفاصيل الصغيرة إلى الواجهة: قطعة قماش، اسم قرية، رائحة تراب بعد المطر. عبر هذه التفاصيل يُعاد بناء تاريخ كامل.
تقنية المشهد وتكثيف اللحظة
يعتمد الكاتب في الكثير من القصص على مشاهد قصيرة مكثفة؛ يختار لحظة محددة، يضيء عليها، ثم يتركها تتردد في ذهن القارئ، وهو ما يتناسب مع فكرة العنوان: دقائق معدودة تختزن عمراً كاملاً.
يتحرك السرد بين مشهد وآخر كما تتحرك الأوتوماتريس بين محطات، وكل محطة تكشف وجهاً جديداً للمكان. يمنح هذا التقطيع النص إيقاعاً متسارعاً، مع احتفاظه بعمق شعوري؛ ينتقل القارئ بسرعة بين الصور، لكنه يشعر بثقلها.
ينجح المؤلف في تحويل سبع عشرة دقيقة إلى فضاء سردي واسع، عبر لغة مكثفة وصور حسية وشخصيات تحمل تواريخ متراكمة، تتجاور فيه الهويات وتتقاطع الأزمنة، ما يمنح القارئ فرصة للتأمل في معنى البيت وهشاشة الحدود، وفي قدرة الحكاية على عبور الأسلاك الشائكة.